سيد محمد طنطاوي

229

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لليهود والنصارى والصابئين بمعنى صدور الإيمان منهم على النحو الذي قرره الإسلام . فمن لم تبلغه منهم دعوة الإسلام ، وكان ينتمى إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن باللَّه واليوم الآخر ويقوم بالعمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه . أما الذين بلغتهم دعوة الإسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب اللَّه مهما ادعوا أنهم يؤمنون بغيرها لأن شريعة الإسلام قد نسخت ما قبلها ، والرسول صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى » . ويفسرونه - أي الإيمان المشار إليه سابقا - بالنسبة للمؤمنين الذين عبر اللَّه عنهم بقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) * على أنه بمعنى الثبات والدوام والإذعان ، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - * ( وعَمِلَ صالِحاً ) * على قوله * ( آمَنَ ) * مع مشاركته هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على العمل الصالح من ثواب جزيل وعاقبة حميدة . وبعض العلماء يرى أن معنى * ( مَنْ آمَنَ ) * أي : من أحدث من هذه الفرق إيمانا بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه . قالوا : لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإسلام ، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات . وقوله : * ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * بيان لحسن عاقبتهم ، وجزيل ثوابهم . أي . فلا خوف عليهم من أهوال يوم القيامة بل هم في مأمن منها ، ولا هم يحزنون على ما مضى من أعمارهم لأنهم أنفقوها في العمل الصالح . هذا وقد قرأ جمهور القراء * ( والصَّابِئُونَ ) * بالرفع . وقرأ ابن كثير بالنصب . وقد ذكر النحويون وجوها من الإعراب لتخريج قراءة الرفع التي قرأها الأكثرون ، ولعل خير هذه الوجوه ما ذكره الشيخ الجمل في قوله : وقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) * أي : إيمانا حقا لا نفاقا . وخبر إن محذوف تقديره : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . دل عليه المذكور ، وقوله : * ( والَّذِينَ هادُوا ) * مبتدأ . فالواو لعطف الجمل أو للاستئناف وقوله * ( والصَّابِئُونَ والنَّصارى ) * عطف على هذا المبتدأ . وقوله * ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) * . خبر عن هذه المبتدءات الثلاثة . وقوله : * ( مَنْ آمَنَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * بدل من كل منها بدل بعض من كل فهو مخصص . فكأنه قال : الذين آمنوا من اليهود والنصارى ومن الصابئين لا خوف عليهم ولا هم